فخر الدين الرازي

24

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

فيها كيف يشاء ، وهو قول أبي مسلم ، وعلى هذين الوجهين الآية عامة . الثالث : أراد به الملائكة وعزيزاً والمسيح ، أي كل من هؤلاء الذين حكموا عليهم بالولد أنهم قانتون له ، يحكى عن علي بن أبي طالب قال لبعض النصارى : لولا تمرد عيسى عن عبادة اللّه لصرت على دينه ، فقال النصراني : كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى / عيسى مع جده في طاعة اللّه ، فقال علي رضي اللّه عنه : فإن كان عيسى إلهاً فالإله كيف يعبد غيره إنما العبد هو الذي يليق به العبادة ، فانقطع النصراني . المسألة الثانية : لما كان القنوت في أصل اللغة عبارة عن الدوام كان معنى الآية أن دوام الممكنات وبقاءها به سبحانه ولأجله وهذا يقتضي أن العالم حال بقائه واستمراره محتاج إليه سبحانه وتعالى ، فثبت أن الممكن يقتضي أن لا تنقطع حاجته عن المؤثر لا محال حدوثه ولا حال بقائه . المسألة الثالثة : يقال كيف جاء بما الذي لغير أولى العلم مع قوله : قانِتُونَ جوابه : كأنه جاء بما دون من تحقيراً لشأنهم . أما قوله تعالى : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : البديع والمبدع بمعنى واحد . قال القفال : وهو مثل أليم بمعنى مؤلم وحكيم بمعنى محكم ، غير أن في بديع مبالغة للعدول فيه وأنه يدل على استحقاق الصفة في غير حال الفعل على تقدير أن من شأنه الإبداع فهو في ذلك بمنزلة : سامع وسميع وقد يجيء بديع بمعنى مبدع ، والإبداع الإنشاء ونقيض الإبداع الاختراع على مثال ولهذا السبب فإن الناس يسمعون من قال أو عمل ما لم يكن قبله مبتدعاً . المسألة الثانية : اعلم أن هذا من تمام الكلام الأول ، لأنه تعالى قال : بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فبين بذلك كونه مالكاً لما في السماوات والأرض [ في قوله تعالى وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ] ثم بين بعده أنه المالك أيضاً للسموات والأرض ، ثم أنه تعالى بين أنه كيف يبدع الشيء فقال : وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال بعض الأدباء : القضاء مصدر في الأصل سمي به ولهذا جمع على أقضيه كغطاء وأغطية ، وفي معناه القضية ، وجمعها القضايا ووزنه فعال من تركيب « ق ض ى » وأصله « قضاي » إلا أن الياء لما وقعت طرفاً بعد الألف الزائدة اعتلت فقلبت ألفاً ، ثم لما لاقت هي ألف فعال قلبت همزة لامتناع التقاء الألفين لفظا ، ومن نظائره المضاء والإتاء ، من مضيت وأتيت والسقاء ، والشفاء ، من سقيت وشفيت ، والدليل على إصالة الياء دون الهمزة ثباتها في أكثر تصرفات الكلمة تقول : قضيت وقضينا ، وقضيت إلى قضيتن ، وقضيا وقضين ، وهما يقضيان ، وهي وأنت تقضي ، والمرأتان وأنتما تقضيان ، وهن يقضين ، وأما أنت تقضين ، فالياء فيه ضمير المخاطبة ، وأما معناه فالأصل الذي يدل تركيبه عليه هو معنى القطع ، من ذلك قولهم ، قضى القاضي لفلان على فلان بكذا قضاء إذا حكم ، لأنه فصل للدعوى ، ولهذا قيل : حاكم فيصل إذا كان قاطعاً للخصومات وحكى ابن الأنباري عن أهل اللغة أنهم قالوا : القاضي معناه القاطع للأمور المحكم لها ، وقولهم انقضى الشيء إذا تم وانقطع ، وقولهم : قضى حاجته ، معناه قطعها عن المحتاج ودفعها عنه وقضى دينه إذا أداه إليه كأنه قطع التقاضي والاقتضاء عن نفسه أو انقطع كل منهما عن صاحبه ، / وقولهم : قضى الأمر ، إذا أتمه وأحكمه ، ومنه قوله تعالى : فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [ فصلت : 12 ] وهو من هذا لأن في إتمام العمل قطعاً له وفراغاً منه ، ومنه :